أبو الليث السمرقندي
31
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
قوله عز وجل : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ يعني : وحّدوه وأطيعوه وَاخْشَوْا يعني : وأخشوا عذاب يوم يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ يعني : هو جاز عن والده شيئا ، ولا ينفع والد عن ولده . ويقال : لا يقضي والد عن ولده ما عليه وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً يعني : لا يقدر الولد أن ينفع والده شيئا ، وهذا في الكفار خاصة . وأما المؤمن فإنه ينفع كما قال في آية أخرى : أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [ الطور : 21 ] ثم قال : إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يعني : البعث بعد الموت كائن ولا خلف فيه فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا يعني : لا يغرّنكم ما في الدنيا من زينتها وزهوتها ، فتركنوا إليها ، وتطمئنوا بها ، وتتركوا الآخرة والعمل لها وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ يعني : لا يغرنكم الشيطان عن طاعة اللّه عز وجل . ويقال : كل مضل هو شيطان . وقال أهل اللغة : الْغَرُورُ بنصب الغين هو الشيطان . وبالضم أباطيل الدنيا . قوله عز وجل : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ قال مقاتل : نزلت في رجل يقال له : الوليد بن عمرو من أهل البادية ، أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : إنّ أرضنا أجدبت ، فمتى ينزل الغيث ؟ وتركت امرأتي حبلى ، فماذا تلد ؟ وقد علمت بأيّ أرض ولدت ، فبأيّ أرض أموت ؟ وقد علمت ما عملت اليوم ، فماذا أنا عامل غدا ؟ ومتى الساعة ؟ فنزل إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ يعني : علم القيامة لا يعلمه غيره وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ يعني : وهو الذي ينزل الغيث متى شاء وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ من ذكر وأنثى وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ في سهل أو جبل . وروي عن ابن عمرو عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلّا اللّه فقرأ : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الآية » . وقال ابن مسعود كل شيء أوتي نبيكم إلا مفاتيح الغيب الخمس . إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ إلى آخر السورة . وقالت عائشة - رضي اللّه عنها - : من حدثكم بأنه يعلم ما في غد فقد كذب . ثم قرأت : وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ يعني : بأي مكان تموت ، وبأي قدم تؤخذ ، وبأي نفس ينقضي أجله . وروى شهر بن حوشب قال : دخل ملك الموت على سليمان بن داود - عليه السلام - فقال رجل من جلسائه لسليمان : من هذا ؟ فقال ملك الموت . فقال : لقد رأيته ينظر إليّ كأنه يريدني . فأريد أن تحملني على الريح حتى تلقيني بالهند . ففعل . ثم أتى ملك الموت إلى سليمان فسأله عن نظره ذلك . فقال : إني كنت أعجب أني كنت أمرت أقبض روحه في أرض الهند في آخر النهار وهو عندك . ثم قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ يعني : بهذه الأشياء التي ذكرها .